ثقافة و فن
514
0
05 May 2019

ريمون شويتي .. مسيرة ريشة

قراءة في رؤى ...ريمون شويتي


تتعدد خيارات الأبداع الثقافي إنسانيا، بتنوع الحضارات وتطور المجتمعات.

وأسمى الابداعات ما كان بالفن. وأنبل الفنون ما كان عابر للثقافات والمجتمعات لا تحده لغة ولا يمنعه معتقد أو تعيقه جغرافيا.

ويصنف المسرح بأنه قاعدة الانطلاق لجمع الفنون المرئية والمسموعة

والتصوير التشكيلي هو المنتهى التعبيري لغايات التواصل الرمزي.

 

ريمون شويتي ......بدء مشواره الفني بكنف المسرح ثم عاش اللون واللوحة تنظيما وإطلاقا وأستمر معها ابداعا وإنشاء وانتاجا وتوليدا.

حتى باتت اللوحة له طيعة مروضة تزخر بكل تفاصيل المعنى ودلالات الرمز.


بعد معارض أقامها في شتى أنحاء الأرض من دلهي حتى نيويورك يعود مجددا ليزهر في ربيع الرياض بمجموعة جديدة ومدرسة متجددة ذات طابع متفرد كتفرد شخصيته وأصيلة كثبات ارتباطاته ومبدعة كما جميع أعماله ولدت باسم ترانيم صامتة.

تسنى لنا في كوكش بوست أن نزور معرضه المقام في صالة نايلة وأيضا الكواليس الخفية لتجلي الابداع وولادة الخط الجديد في مدرسة ريمون شويتي.


وكانت لنا مفاجأت شتى و واندهاشات متعددة فقد طال التغير نموا ونضجا المبنى والمعنى والدلات أيضا لم تسلم من المداعبة.

فكأنما اللوحات كانت الترجمة المباشرة، لما يعتمل من أفكار وقناعات ومفاهيم جديدة.

ظهرت بكل سلاسة ووضح للقارئ المتابع، أما المشاهد لهذه الأعمال لأول مرة سيقف مأخوذا أمام إبهار العمل

يحار كيف استطاع ريمون شويتي ادخال الخط المستقيم والفراغ المنتظم ضمن تماوج اللون وتدرجه بهذا التألف والاتساق مما جعل الحميمية تطغى على كيان اللوحة لتصير مركبة زمن تجول به بين عوالم متوازية كما الخطين الأحمرين

وعوالم متداخلة متراكبة كما ترصد الكمرة مشهدا من غرفة الصالة مرورا بأزهار الشرفة لتصل لسطح السفينة الراسية على المرفىء

لتعبر زجاج قمرتها وتوثق قفزات دلافين بجانب قارب صغير لصياد عجوز.


إن عدنا لتتبع خط النور الناظم لحركة النمو في مسيرة ريمون شويتي

نجد ذلك البرعم من تعريشة الياسمين الذي يميل نحو الشمس شتاءا فينحرف نحو اليمين ويشكل هذه الأجمة ثم ينحرف هذا البرعم نحو ظل الصنوبرة المعمرة في حديقته صيفا فيصنع أجمة أخرى في الشمال تبان للوهلة الأولى عشوائية وغير منتظمة ولكن ابتعد قليلا حتى تستوعب كامل المشهد فترى ابداع التشكيل وتوازن المبنى

الحامل لنوارات الياسمين كأنها نجوم ترصع سماء حياته.


أغلب الفنانين الملتزمين بالإنتاج والعطاء الفني تتطور مواضيع أعمالهم والقضايا التي يتناولوها بالطرح وتختلف من فترة لأخرى.

ولكن قلة قلية من الفنانين هي من تطور الأساليب وتقنيات التنفيذ وخصوصا بالتصوير الزيتي.


من يتتبع ريشة ريمون شويتي من المختصين بالفن يلمس ويلاحظ

نمو التقنيات وتطورها من ضربات الفرشاة حتى أليات مزج واختيار درجات اللون.

 

وما يجعل ذلك غريبا أن ريمون شويتي ليس من الفنانين المتفرغين للعمل الفني كتصوير زيتي حتى وان لم يبتعد عن فلك الفن عموما.

ولكن تطوير التقنيات يستدعي المواظبة الدائمة والممارسة المستمرة بينما ريمون شويتي بإمكانه أن يترك اللوحة على حاملها في لحظة مخاض لسنوات تقرب الخمس يحاورها ويجادلها كما لاعب الشطرنج حتى تفتح له مدخلا لتجلي رؤياه على أديمها.


وفي برهة أخرى من الزمن تتدفق خيول الإلهام من وادي عبقر فتستفز منه الجهد والخيال فيحيل بياض الكنافاس لألوان الطيف من أقصاها لأقصاها ثم ينفخ عليها كما أورفيوس فتزهو بنور مستمد من خيوط الشمس التي يرسلها رع.


إن الذي تجلى في مجموعة ريمون شويتي الجديدة ،هذه المرة هو تمازج المنطق الرياضي المحدد ذي الخطوط المستقيمة والفراغات المؤطرة مع اللوني اللامحدود ذي الدرجات اللامنتهية من التنوع والتباين بين اللون وظلاله ومتمماته.


حتى ليخال القارئ أن هدف اللوحة هو تنشيط عمل فصي الدماغ الأيمن والأيسر حتى تتكامل رؤية المغزى والمعنى من خلال هذا الطرح اللوني وتركيبته المتجلي على امتداد مساحة العمل.


وما يزيد حيرة القارئ المختص أن فرادة الأعمال تنتقل إلى أجزائها بحيث أنك تستطيع أن تأخذ أي جزء من اللوحة لتجد توازنه وتكامله بتفاصيل بنيوية تأهله للاستقلال كعمل له مقومات الكيان الفني الكامل.


الخلائق بالطبيعة دائما ترتكز على اللون كدلالة ومعنى .

فالفاكهة الناضجة لها لون والفجة لونها مختلف.

حتى أعضاء الجسد يستدل على صحيحها من سقيمها من خلال لونها.

والحشرات والزواحف يعرف سامها من مسالمها من خلال لونه.


فاللون دائم الحضور أساسي المعنى حتى وان غاب عن وعينا وقد استخدم

علم النفس دلالات ذلك تجاريا وصناعيا وتسويقا.


فالتنبيه والتحذير له ألوانه واثارة الشهوة للطعام لها ألوانها وإظهار القوة والفخامة أيضا لها ألوانها.

 

فكيف نستطيع أن نلغي دلالة اللون ومعناه في عمل الفنان.؟

إن الانتقال من المادي المحسوس بتعلم الطفل البشري إلى المجرد الدلالي،

هو نقطة التحول الفارقة ببداية إدراكه للعلوم العقلية وفهمها.


ولم يتم ذلك على المستوى الفني بعد رغم أن الفن التشكيلي هو انزياح نحو الدلالة المجردة بالمطلق.


فما ينتجه الفنان من مساحات لونية وتراكيب وتشكيلات ذات دلالة مغيبة

يتلقاها القارئ بفهم موارب ينحى به نحو مضامين وسياقات تعنيه هو بذاته ولا أحد سواه من خلال حالته الشعورية اللحظية بهذه الفاصلة الزمنية.


رغم كل هذه الذاتية في الطرح اللوني لا يمكن إغفال الدلالات الموجهة نحو فضاءات الطرح الثقافي المجتمعي محليا وعالميا.


ريمون شويتي .......ويستمر العطاء المتجدد